يعيش بيننا غرباء
أنباء الوطن -
يعيش بيننا غرباء، موهومون بأنهم مثقفون، تراهُم في المجالس والمنصات الافتراضية يتحدثون بثقة العارفين، بينما هم في الحقيقة لا يمارسون الثقافة بقدر ما يمارسون طقوسها. فالثقافة عندهم ليست فهماً عميقاً للعالم، بل مجموعة حركات محفوظة، بعض المصطلحات الكبيرة، اعتراض دائم على كل شيء، ونبرة استعلاء توحي بأن الحقيقة تقف دائماً في الجهة التي يقفون فيها. هم لا يقرأون ليعرفوا، بل ليقال عنهم إنهم قرأوا، ولا ينتقدون ليبنوا فكرة، بل لينتقدوا فقط… وكأن الاعتراض بحد ذاته أصبح دليلاً على الثقافة.
هؤلاء لا يعرفون التين والزيتون، ولا جداريات الوشوم على وجوه جداتنا، وكأن مجرة كاملة نُقشت على حقل قمح في فجر نيسان، ومع ذلك يتصورون أن معرفتهم بثقافة فنجان القهوة أو كأس النبيذ تمنحهم لقب المثقف.
تراهم يجلسون في أي مجلس أو على أي منصة افتراضية، يلوّحون بمصطلحات مثل “الخطاب”، و“التحليل البنيوي”، و“تفكيك البنية”، ثم يخرجون من كل ذلك بنتيجة واحدة: الاعتراض. فهم لا ينتقدون لأن لديهم فكرة، بل لديهم فكرة واحدة فقط: أن يعترضوا.
والمفارقة أن هذا النوع من المثقفين يقدّس أي حركة أو حراك أو فكرة، لا لأنها مدروسة أو عميقة، بل لأنها تغذّي وهمه الثقافي. فكل ما يهزّ الثوابت، أو يرفع شعاراً كبيراً، أو يطلق كلمات فضفاضة عن “التغيير الجذري”، يتحول فوراً إلى أيقونة فكرية في نظرهم، حتى لو لم يفهموا نصف ما يُقال فيها.
ولأن بوصلتهم الفكرية لا تحكمها المعرفة بل الرغبة في الاختلاف، تراهم أحياناً يذهبون أبعد من ذلك؛ فيمجّدون أعداء الوطن لمجرد أنهم يقفون في الجهة المقابلة، ويصطفون مع خطاب الخراب لا لشيء إلا لأنه يبدو أكثر صخباً وإثارة. فهم يخلطون بين المعارضة والفوضى، وبين النقد والهدم، حتى يصبح الوقوف ضد المنطق وضد أي ازدهار عقلاني نوعاً من البطولة الثقافية في مخيلتهم.
أما طقوسهم الثقافية فبسيطة جداً: فنجان قهوة طويل التأمل، أو كأس نبيذ في أحد الأزقة التي يعتقدون أنها تمثل يساراً عميقاً، بينما هي في الحقيقة يسارٌ مصطنع يعيش على الإيماءات لا الأفكار. عندها يشعرون فجأة أنهم أصبحوا ورثة مدارس الفكر الكبرى، وأن العالم ينتظر حكمتهم ليعيد ترتيب الفلسفة والتاريخ.
إنهم يؤمنون بالشكل أكثر من المضمون، وبالصوت العالي أكثر من الفكرة. ولذلك تراهم يقفون دائماً في الصف الأول لأي موجة فكرية عابرة، يصفقون لها بحماس، ثم ينتقلون إلى الموجة التالية بنفس الحماس، وكأن الثقافة عندهم ليست بحثاً عن الحقيقة، بل موسم أزياء فكرية يتبدل كل عام.
وفي النهاية، لا يمكن أن نغضب كثيراً منهم. فهم على الأقل يذكّروننا بحقيقة بسيطة: أن الثقافة ليست الكلمات الكبيرة، ولا الاعتراض الدائم، ولا التماهي مع كل حراك صاخب. الثقافة ببساطة هي فهمٌ هادئ للعالم… شيءٌ لا يمكن تقليده بالطقوس.
علي حسين الهنداوي

