هبلة ومسّكوها طبلة (من اروع اللحظات)


أنباء الوطن -

 

بقلم : الدكتور عديل الشرمان

بدأ الركاب بالصعود الى الطائرة استعداداً لرحلة طويلة تزيد مدّتها على ١٣ ساعة متواصلة، امرأة في الثلث الأخير من عمرها ترتدي اللّباس الاردني التقليدي (الثوب المطرّز)، تدخل وبيدها حقيبة وباليد الاخرى طبلة، ولا تعرف الى اين تتجه، الى أن جاء أحد افراد الطاقم وساعدها في الجلوس في مقعدها المخصص.

(اللهم اني اعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنظر، وسوء المنقلب في المال والاهل)، بهذا الحديث النبوي الشريف بدأت رحلة الطائرة، وتلك المرأة بحماسها، ونظراتها، وحركاتها كانت توحي بأنها البركان الذي سينفجر في لحظة ما، كنت اظنها ستكون من وعثاء السفر، وليتني لم اظن. 

دقائق بعد ان اقلعت الطائرة، وما تم الاعلان عن امكانية فك احزمة الامان حتى اخرجَت ام محمد طبلتها، وبدأت تطبل وتغني وسط دهشة الحضور واستغرابهم.

احدى المضيفات تقدمت منها بأدب ولباقة، وطلبت منها التزام الهدوء حتى لا تزعج الركاب، وما ان انتهت المضيفة حتى بدأت أم محمد تغني متغزلة بها (ويلي محلاها البنت الرّيفية...)، ثم تصمت أم محمد قليلاً وتنفجر بالضحك قائلةً للمضيفة: (اي هو انتي يا امي بتعرفي الريف)، ثم تصمت ام محمد لبعض الوقت ويخيّم الهدوء والوجوم والامتعاض يعلو وجوه الركاب.
مرت دقائق حتى بدأ توزيع المشروبات الساخنة على متن الطائرة (القهوة والشاي)، وما ان اقترب منها المضيف حاملاً ابريق القهوة الا وعاجلته بأغنية مصحوبة بدقات طبلة عالية (بلا تصبوا هالقهوة وزيدوها هيل واسقوها للنشامى ع ظهور الخيل)، ثم تصمت وتطلق العنان لضحكتها مرة اخرى، وتعيد ترديد المقطع (بلا تصبوا هالقهوة وزيدوها هيل واسقوها للنشامى ع ظهور الطيارة). 

أحد الركاب ارسل اليها بنظرة إشمئزاز وغضب، فردت له الكيد بأن حملت طبلتها من جديد وبدأت تغني (الموت لحمر للي عادانا ونقلع العين ان لدّت تلانا...)، وزيادة في النكاية به غنت (ويلك يللي تعادينا يا ويلك ويل...).
لدى سؤال أم محمد من قبل احد الحاضرين عن سر لباسها وطبلتها، ارسلت اليه نظرة رعشاء راجفة حزينة وتنهدت بقوة، كانت الاجابة صادمة اوجعت قلوب جميع الركاب ممن كانوا يكيلون اليها اللوم، ويرسلون اليها بنظرات الامتعاض احياناً والسخرية أحياناً أخرى، أم محمد فقدت ابنها لأكثر من عشر سنوات في بلاد الغربة، وها هي فرحة مسرورة وهي ذاهبة لحضور حفلة زفافه ولرؤيته بعد طول الفراق.

حقيقة أم محمد جعلت الجميع يتنفسون الصعداء، وتغيرت ملامح وجوههم، وراح البعض منهم يخفي دموعه وحزنه بعد ان عرفوا سرّ طبلتها وفرحها، وينظرون الى بعضهم البعض ويتلاومون، ويغفرون لها ما بدر منها، ويستغفرون ربهم لما قالوه لها من (افّ) وما بدر منهم من كلمات تنهرها وتزجرها. 

استطاعت أم محمد بعفويتها وبراءتها ان تختصر مسافة السفر، وأن تطوي بعده، وأن تلوّنه بأجمل الألوان واكثرها صفاء ونقاء.
ما أحوجنا اليكِ يا أم محمد في هذا الزمن الكدر، المملوء بالهموم، والكلام المسموم الذي لا يوجد فيه الا القيل والقال، وتعاسة البال، وكثرة السؤال، وطلب المحال، واللهف وراء الجاه والمنصب والمال، وتلفيق ونسج القصص والفيديوهات المسمومة المملوءة بنعيق القاصي والداني من الجهّال، وما احوجنا اليكِ لتهوّني علينا وعثاء الحياة، كما خففت عنّا وعثاء السفر، وتخففي عنّا الهمّ والحزن الذي تورّثه كآبة المنظر.

ام محمد لم تكن هبلة كما وصفها البعض، لقد كانت قمة في النقاء والصفاء، عرفت معنى الأمومة والفراق ، طبلتها التي حملتها أطهر من طبولهم، وقلبها أنظف وأبيض من قلوبهم، وصوتها المملوء بالدفء أحنّ وأرقّ من اصواتهم، وحنجرتها كما لو أنها صنعت من افخر انواع الكريستال الذي اشتهرت به جمهورية (تشيكوسلوفاكيا) سابقاً.

أم محمد لباسها الأردني التقليدي اكثر جمالاً من تلك الفساتين المستوردة التي يتم شراؤها من افخر المتاجر العالمية المشهورة، أم محمد هي مثلنا، وقدوتنا بمحبتها وطيبة قلبها، وهي أم كل الأردنيين وهي موضع فخرنا واعتزازنا ومحبتنا، اليها ننحني إجلالاً وإكباراً، إنها الأم التي اليها نخفض جناح الذل من الرحمة.